
تكوين … وتكوين الفكر المشوه
بقلم : د. غادة محمد عبد الرحمن
لن نبالغ أو نخلط الأوراق إذا ما اعتبرنا مؤسسة “تكوين الفكر العربي” التي إنطلقت أعمال مؤتمرها السنوي الأول في الرابع من مايو الجاري وجهاً آخر لما تحدثنا عنه في مقالنا السابق عن علم الماورائيات ودوره في تغييب الوعي، حيث تهدف مؤسسة “تكوين” إلى تكوين فكر عربي مشوه، ناتج عن التشكيك في الثوابت الدينية، والأخلاقية، والثقافية، وإستبدالها بقيم أخرى، لا تمت لمجتمعاتنا العربي، والإسلامية بصلة، وذلك من خلال إختراق العقول لتخريبها، وتشويه ما بها من قيم، وأخلاقيات راسخة منذ نعومة الأظافر، ويتم ذلك من خلال مجموعة من الشعارات البراقة، كالإصلاح الفكري، وتعزيز قيم الحوار البناء وقبول الآخر، ونشر الثقافة والفكر الديني المستنير، وغيرها من المسميات الجذابة، التي تتوارى خلفها سموم مدمرة يراد لها الإنتشار، والتغلغل في العقول، والاذهان.
ولقد تصدرت مؤسسة “تكوين” المشهد خلال الأيام القليلة الماضية، وذلك نظراً لما ثار حولها من جدلاً واسعاً، حيث واجهت المؤسسة ومنذ اليوم الأول لإنطلاقها ثورة شعبية عارمة من الرفض، والتشكيك، وذلك لما أستشعره الشعب المصري من خطورة هذه المؤسسة على ثوابته الدينية، والأخلاقية، والثقافية، وما يمكن أن تؤدي إليه من إفساد للمجتمع، وتحويله إلى مسخ مجرد من أي تراث إنساني، فلا إحترام لدين، ولا إنتماء لوطن، ولا تقدير لتاريخ، وذلك بعد التشكيك في كل هذه القيم، وإظهارها كنوع من أنواع الرجعية، والتخلف، ومن ثم فقدان الثقة فيها، وإنكارها، والبحث عن قيم أخرى، تتوافق مع العصر الحديث، وفقاً لفكر المؤسسة والقائمين عليها، وهذه المخاوف لم تأتي من فراغ أو من باب الهوس بنظرية المؤامرة، بل هي مشاعر طبيعية، ونتيجة منطقية، لما للشخصيات المكونة للمؤسسة من آراء مثيرة للجدل، وأفكار شاذة.
فبإستعراض أسماء الشخصيات المكونة لمجلس أمناء مؤسسة “تكوين” نجد ما يجعلنا على يقين من صدق كل المخاوف والشكوك التي تدور حول المؤسسة منذ اليوم الأول لإنطلاقها، ومن بين هذه الشخصيات الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى الذي دائماً ما يتبنى من الآراء الشاذة التي تثير البلبلة داخل المجتمع، حيث أنه دائم الاعتداء على الدين وقيمه ورموزه، ومن أبرز آرائه المثيرة للجدل، تصريح أكد فيه على إستناد تنظيم داعش عند إرتكاب جرائمه البشعة على الفكر الإسلامي، وتفسيرات لآيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وإنكاره لعزاب تارك الصلاة، والإساءة لبعض الصحابة، وغيرها من آراء مشينة لا تراعي قيم دينية أو قيم إجتماعية.
يأتي كذلك ضمن أعضاء مجلس الأمناء الروائي يوسف زيدان، صاحب التصريحات المثيرة دائماً، التي تتضمن مغالطات صارخة، وصلت لحد إنكار رحلة الإسراء والمعراج، والتشكيك في المسجد الأقصى حيث ادعى أن الأقصى المذكور في القرآن الكريم ليس هو القائم حالياً في فلسطين، وقد كان لأبطالنا العظام الراسخون في أزهى صفحات التاريخ نصيب من الإساءة والتشويه، حيث أساء زيدان إلى العديد من رموزنا، كان منهم صلاح الدين الايوبي، وأحمد عرابي، وغيرهم من عظماء الأمة ممن حاول زيدان تشويههم والتشكيك في أمجادهم، ويضاف إلى ذلك العديد من التصريحات الصادمة والمستفزة.
أما العضو الثالث في مجلس الأمناء فحدث ولا حرج، حيث أنه الكاتب إسلام البحيري الذي بمجرد وجود أسمه بين أعضاء المجلس يجعلنا على يقين من مدى خطورة هذه المؤسسة على الدين وقيمه السمحة، ويكفي الإشارة هنا إلى تطاوله الفج على أئمة الإسلام وعلمائه.
هذا بالإضافة إلى عدد من الأعضاء، أصحاب الشخصيات المريبة، التي لا تراعي قيم ولا مبادئ، فيما تتبناه من آراء، وما تعلنه من تصريحات.
وأخيراً، وبعد كل ما استعرضناه، يمكننا الجزم بأن مؤسسة “تكوين” جزء لا يتجزأ من الحرب التي تستهدف أذهان شعوبنا، حيث تطلق سهام التشويه قاصدة ما بها من قيم، واستبدالها بقيم أخرى لا تتوافق مع عقائدنا وأخلاقنا وثقافتنا، ولهذا علينا أن لا نكتفي بالمواجهة الأمنية والمطالبة بالإغلاق والحظر، بل يجب أن تشتمل المواجهة على المواجهة الفكرية، فلا يدحض الفكر المبتور، الأشبه بالطفل اللقيط، إلا الفكر المستنير، النابع من حضارة عريقة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وعقيدة سمحة أنارت بمبادئها العظيمة العالم، وهنا نتمكن من مواجهة الحرب الشرسة التي تستهدف وعي الشعوب.





